اسماعيل بن محمد القونوي

73

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المقام هو الوجه الثاني وهو قوله ( أو جحدوا لتمرنهم على الظلم ) إذ الحكم على المشتق يفيد عليه مأخذ الاشتقاق ويؤيده أن محط الفائدة في الجملة الاسمية هو الخبر وما يفيد الوجه الأول هو قول ولكن الجاحدين بآيات اللّه هم الظالمون . قوله : ( والباء لتضمين ) معنى ( الجحود معنى التكذيب ) وإلا فهو يتعدى بنفسه كما أشار إليه أولا بقوله : ولكنهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ [ الأحقاف : 26 ] قيل كما أنه يتعدى بنفسه يتعدى بالباء والفرق أن الجحود هو عبارة عن الإنكار مع العلم بخلافه والتكذيب أعم من ذلك ففي إيثار الجحود هنا من الحسن ما لا يخفى على الخمود . قوله : ( روي أن أبا جهل كان يقول ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ) إشارة إلى وجه آخر المتعارف في مثل هذا وروي بالواو مرضه لأن المعنى ح فإنهم لا يكذبونك لا ظاهرا ولا حقيقة وهذا غير ظاهر وهذا المروي إما مأوول بأن يكون المعنى ما نكذبك في أمر غير متعلق بالدعوة ( وإنما نكذبك ) في أمر التبليغ وأما مردود لا يعبأ به وإنما نكذب ( ما جئتنا به فنزلت وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [ الأنعام : 34 ] ) التنوين للتعظيم والتكثير والمعنى وباللّه لقد كذبت رسل ذو خطر وشرف وأولو عدد كثير من قبل تكذيبك فليست بأوحدي في ذلك ومن هذا قال . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 34 ] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) قوله : ( تسلية ) إذ البلية إذا عمت سهلت بعض التسهيل ( لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) . قوله : ( وفيه دليل على أن قوله : لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] ليس لنفي تكذيبه قوله : أو جحدوا لتمرنهم على الظلم معنى التمرن مستفاد من لفظ اسم الفاعل الدال على الثبات والتعود في الظلم ولو عبر بالضمير بأن يقال ولكنهم بآيات اللّه يجحدون لما أفاد ذلك المعنى ففي وضع الظاهر موضع الضمير هنا إثبات حكم الجحود ببينة وهي التمرن في الظلم ولا يحصل هذا الغرض في الاضمار فالقصد في وضع الظاهر موضع الضمير هنا في الوجهين إلى إثبات الشيء ببينة لكن القصد في الوجه الأول إلى تعليل الظلم بالجحود وف الثاني إلى تعليل الجحود بالظلم وتمرنهم فيه والتحقيق فيه أن الظلم بحسب الذات معلول للجحود وبحسب وصف التمرن علة له . قوله : والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب وإلا فالجحود متعد بنفسه لا يحتاج في تعلقه بالمفعول إلى واسطة يقال جحد حقه والجحود الانكار مع العلم كذا في الصحاح . قوله : وفيه دليل على أن قوله : لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] ليس لنفي تكذيبه مطلقا بل لتعظيم الخطب وتهويل الأمر وإجراء تكذيبه مجرى تكذيب اللّه وفي الكشاف وهذا دليل على أن قوله : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] ليس بنفي لتكذيبه وإنما هو من قولك لغلامك ما اهانوك ولكنهم اهانوني .